اجعلنا صفحة البداية اضفنا للمفضلة
يوم الخميس الموافق 27/04/2017
فكر حر
حوارات
اخبار
موطني
عالم الفن
جسد وروح
جليلنا-قريتي
مجتمع
نادي زيتونة
ساتيرا
أنا الخاص
حكاية في صورة










قصة قصيرة

17/02/2017 - 10:36:26 am
ضيـــاع /ياقوت / الفصل الأول /مريم مشتاوي
أديبة لبنانية مقيمة في لندن

ياقوت

 

 الفصل الأول

 

ضيـــاع

 

لم يتذكر شيئًا... كان هناك فراغ كبير يجمع بين لحظات قريبة مضت وحاضر غريب...

كان ممددًا على الشاطئ وطاقم من المسعفين حوله يتكلمون بلغة لا يفهمها. كان يشعر بالدوار وتتشابك الوجوه حوله بعضها ببعض.. وفجأة شعر بيد دافئة تمسك يده... شعر وكأن الدفء يتسلل من اليد ويتسحب تحت جلده ليخترق أبعد نقطة في خارطته المبعثرة، وكأنها المرة الأولى التي يتعرف بها على الدفء.

ثم سمع صوتًا مشحونًا بالحنان يقول له:

شو اسمك؟

نظر إليها باستسلام يشبه اقتراب ساعة المنية، وقال:

- محمد... أنا محمد من الشام... سافرت بالبحر كنت هربان من الحرب...

- طيب قادر تحكي... فيك تعطيني معلومات أكتر هلأ أو ارجعلك بعدين؟

لو سمحت لا تروحي بحاجة احكي... أنا ما متذكر أي شي غير أني تركت شاطئ تركيا مع حبيبتي ياقوت وكنا باتجاه اليونان...

بس وين أنا؟؟ شو صار بياقوت؟ وينها؟

عبثًا كان يحاول أن يغمض عينيه... أن يشد عليهما علّه يعيد التقاط الصور ولكن دون جدوى.

كانت الأسئلة تعذبه... تترصد له وكأنها متواطئة مع ذاكرة خبيثة... ذاكرة غسلت صورها كلها في البحر..

 

من أعلى السماء

كانت تنظر إليه من السماء. رأته يمشي وحيدًا.. يبكي ويتألم على فراقها. كم ودت أن تهبط إليه بسرعة وتختطف قبلة.. أن يعرف أنها موجودة وتراه من بعيد... كم تمنت أن تخبره أن وراء الغيوم حياة أخرى.. ركضت مسرعةً إلى غرفة رئيس الملائكة ركعت أمامه ترجوه أن يمنحها زيارة قصيرة إلى الأرض:

- ملاكنا ميخائيل أرجوك تسمحلي إنزل زيارة سريعة عالأرض... محمد موجوع لازم شوفه!

- ياقوت ممكن تنزلي بس زيارتك رح تكون مدتها دقيقة واحدة.. خليني شوف شو رح يتغيّر بحياة محمد بدقيقة.. ولو قدرت تعملي تغيير إيجابي ممكن أمنحك بالمستقبل زيارة تانية...

ارتدت ياقوت فستانًا أبيض طويلًا ورفعت شعرها وزينته بزهر الياسمين.. رافقتها عرائس السماء إلى البوابة الكبيرة... وما إن رآها خادم مملكة السماء حتى انحنى لها وفتح البوابة الرئيسية...

همست ياقوت بصوت منخفض:

- أبانا الذي في السموات رافقني وانحدرت باتجاه محمد.. كان يمشي في الحديقة المجاورة لبيته... وفجأة ركعت أمامه وهو بحالة من الذهول ورفعت عينيها نحوه وقالت:

- محمد أنا عم شوفك اليوم أكثر....

مبارح كنت بمكان محدد بس اليوم صار فيك تشوفني بأكثر من مكان وبالوقت نفسه...

أخذت ياسمينة من شعرها ووضعتها في يده واختفت، فغمرته حالة من النشوة.. حالة من السكر بين الحلم واليقظة.

 

محمد أيها الدفء المتغلغل في أعماق الروح…

اِعتَنِ بنفسك وحين تقسو عليك الأيام انتظر حبيبة ستأتيك في الشتاء بوجه صديقة لتمطرا معًا.. وفي الربيع قد تتفتح بين يديك أوركيدة بيضاء تخترق أبعد نقطة في خارطتك.. وفي فصل الخسائر الكبرى تحتويك وتعيدك إلى أحشائها جنينًا لتلدك من جديد...

تباعد الأمكنة والأزمنة يزيد في رائحة الحنين... وللروائــح أرواح تحمل لنا وجوه الأحبة... لذلك ستراني دومًا...

كانت ياقوت تكتب الرسالة وهي مستلقية على الغيمة البيضاء وفجأة فتحت منها ثقبًا صغيرًا بيديها العاجيتين لتسترق النظر إليه فرأته متمسكًا بيد المسعفة منال... توقفت عن الكتابة وأظلمت عيناها فاحتجبت الشمس عن الأرض وسمعت صوت يسوع وهو يقول: "يا أبت في يديك أستودع روحي".. كان صدى الكلمات يتكرر في أذنيها... وكأنها عاشت درب الصليب الطويل في نظرة واحدة بعيدة استرقتها إلى حبيبها محمد...

فركعت تصلّي:

يا أبت قل لي لماذا أشعر بحريق يلتهمني... هل الملائكة أيضًا يشعرون بالغيرة؟

يا يسوعي الحبيب سأصرخ الآن مرددة كلماتك في حقل الزيتون لكنني لن أسألك لما تركتني أموت وأبتعد عن حبيبي، بل سأتوسل إليك قائلة: إيلي يلي لا تشبقني... إلهي إلهي لا تتركني... ولا تترك أطفالًا صغارًا يموتون بردًا في عرض البحار.. لا تجعل منهم طعامًا لسمك القرش...

أنت قلت: "دعوا الأطفال يأتون إليّ...".

أتوسل إليك أن تحضرهم إليك كاملين وليسوا أشلاء مقطعة...

لم تكمل ياقوت صلاتها حتى سمعت الطفلة الملاك سما تناديها...

سما كانت من الملائكة الأكثر قربًا من رئيس الملائكة... كان يحبها كثيرًا لطاعتها واستسلامها الكلي لمشيئة الله على الرغم من صغر سنها... ولأنها أتت إلى السماء موجوعة بعد أن توفيت بين يدي خمسة دواعش اغتصبوها بوحشية وهي لم تتجاوز الخمس سنوات... ولم يتوقفوا عن اغتصابها حتى بعد يومين من موتها... أرسل إليها رئيس الملائكة ميخائيل حارسَيْن هبطا ليلًا وحملاها بجسدها إلى السماء... هناك كانت في انتظارها القديسة مريم. حممتها ونفخت الحياة في فمها فاستفاقت بذاكرة سماوية جديدة... ومن يومها وسما تضحك وتردد بصوتها الملائكي الجميل:

"طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ

وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ

لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مسرته

فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاه الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فـِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ...

تضحك قليلًا ثم تكرر الشطر الأول:

طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار..

ركضت سما باتجاه ياقوت ورمت بنفسها عليها:

- سماي الحلوة أهلًا وسهلًا

- ياقوت....الملاك ميخائيل ناطرك تروحي لعنده

مسكت ياقوت يد سما وتوجهتا نحو القاعة الكبيرة ووجدتا رئيس الملائكة في انتظارهما.. ابتسم قائلًا:

- تعالي يا ياقوت عندي خبر رح يفرح قلبك... صلاتك استجيبت.

ضحك وجه ياقوت: الحمد الله بشكر الله على محبته...

- تمام بس صار عندك مهمة جديدة! من بكرا رح تصيري تراقبي من بوابة الجنة الرئيسية مراكب البحر المتوجهة من تركيا إلى اليونان... ولما تشوفي مركب عم يغرق بتنزلي تنتشلي الأطفال... لازم تسبقي وصول سمك القرش... وتحملي الأطفال إلى السماء.

 

ليلى الصّباغ

ليلى الصّباغ شابة هادئة ووديعة من عائلة كاثوليكية محافظة. نشأت صداقة قوية بينها وبين ياقوت منذ الطفولة. كانت ياقوت تلعب مع ليلى في ساحة اللاذقية حين كانت تترك بيروت مكان إقامتها وعائلتها لتزور جدتها نهى في أيام الصيف.

وكانت ياقوت تجمع لها حبات الـ "بون بون" بنكهة الفراولة طوال الشتاء حتى لقائهما على أبواب الصيف… وعلى الرغم من أن تلك الحبات كانت تغري ياقوت بشدة، فإنها لمرات عدة كانت تفتح غلافها المزركش تنظر إليها وتعود لإغلاقه. وأحيانًا كانت تقبّلها وتعود لتضعها في سلة القش الصغيرة.

كانت ليلى تصلّي في محبسة مار شربل.. ذلك المكان الأقرب إلى السماء.. كانت تصلّي وتبكي وتضيء الشموع وتسجد لساعات طويلة... كانت وحيدة في محبسة تكاد تراها معلقة بالغيوم البيضاء.

نامت في المحبسة ثلاثة أيام وهي على هذه الحال لا تكاد تأكل وتشرب. في الليلة الثالثة وبينما كانت غارقة في نومها شعرت بقبلة خفيفة تلامس جبينها. نظرت حولها ولم تجد أحدًا. لكنها لمحت قرب الوسادة رسالة تفوح منها رائحة البخور وشالًا كانت تعرفه جيدًا... كان شال ياقوت الأبيض المصنوع من الحرير.. ذلك الشال الذي كانت ترتديه ياقوت فقط في المناسبات لأنه هدية جدتها الأخيرة قبل موتها.

عرفت ليلى أن مار شربل تقبّل صلاتها وأرسل بطلب ياقوت وأن صديقتها تركت لها رسالة...

أتت خصيصًا إلى الدير لأنها لم تستطع أن تعرف أي خبر عنها منذ وداعها لها.. كانت تريد أن يخبرها عن مصير صديقتها التي سافرت في البحر بأحد مراكب الموت..

فقد كانت تؤمن منذ صغرها بعجائب مار شربل.. وكانت تأتي كل سنة برفقة والدتها من الشام إلى عنايا لزيارته.

تحضر معها الشموع والياسمين الشامي والبخور لقدّيسهـا المفضـل وبعض الحلــوى الدمشقيــة التي كانـت توزعهــا علـــى الأطفال الموجوديــن في ساحة الدير


اضف تعليق
عدد التعليقات :0
* الاسم الكامل
البريد الالكتروني
الحماية
* كود الحماية
البلد
هام جدا ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
مواضيع متعلقه
التيه /حسن السّالمي/ تونس التيه /حسن السّالمي/ تونس لمسة/عزت الخضري لمسة/عزت الخضري طبنجة ميري/السيد شليل/ دمياط/مصر طبنجة ميري/السيد شليل/ دمياط/مصر عزازيل والعالم ..رعب ..تشويق/ ابراهيم امين مؤمن عزازيل والعالم ..رعب ..تشويق/ ابراهيم امين مؤمن العنكبــــوت /حسن السّالمي/ تونس العنكبــــوت /حسن السّالمي/ تونس
تعليقات
Copyright © zaitona.net 2011-2017 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com